الرئيسية / News / Latest / العلمنة

العلمنة

العلمنة للدكتور محمد يكن -رحمه الله-في كتابه “لبنان وتحديات الحاضر”
الميثاق الوطني: علماني النزعة

(ا.ل) – منذ أن أعلن “الميثاق الوطني” سنة 1943 والأندية السياسية تتناوله بالنقد أو التأييد حتى غدا هذا “الميثاق” نتيجة التفسيرات المتناقضة التي أعطيت له ميثاقاً مبهماً ووسيلة من وسائل المزايدات السياسية. فأخرج “الميثاق الوطني” الذي صدر عقب الاستقلال عن جوهره وأهدافه وأصبح ميثاقاً للحفاظ على امتيازات الطائفية السياسية لا ميثاقاً وطنياً يؤلف ما بين الشعب الواحد ويؤكد وحدته ووحدة مصيره. وفي ذلك قول الشيخ أميل الخوري: “ومن نكد الدنيا على لبنان أن ميثاقه ضعفت ركائزه وأفقدت الأحداث شيئاً غير قليل من مادته”.
ومبادىء “الميثاق الوطني” الأساسية كما رسمها واضعوه الشيخ بشاره خليل الخوري ورياض الصلح ـ متوفرة في خطب الأول ومذكراته ومحتواة أيضاً في البيان الوزاري الذي ألقاه رياض الصلح في جلسة 7 تشرين الأول عام 1943. وعلى ذلك فإن مبادىء “الميثاق الوطني” متضمنة في وثائق مكتوبة هي خطب الشيخ بشارة خليل الخوري المتعلقة بالميثاق والمدرجة في مذكراته وكذلك في البيان الوزاري الأول لعهد الاستقلال.
ومراجعة لخطب الشيخ بشارة خليل الخوري وللبيان الوزاري الأول لعهد الاستقلال تؤكد لنا بصورة جازمة أن “الميثاق الوطني” ليس ما تتناوله الأندية السياسية اليوم، ذلك لأنه لم يكن ميثاقاً لترسيخ امتيازات الطائفية السياسية ولم يكن ميثاقاً لتوزيع المقاعد النيابية على الطوائف السياسية التي يتكون منها لبنان أو ميثاقاً لتوزيع مناصب الدولة عليها، بل كان ميثاقاً وطنياً ديمقراطياً في جوهره وعملياً في منهجه وعلمانياً في أبعاده. وأما امتيازات الطائفية السياسية فكانت سابقة له وكان يعمل في ضوئها قبل صدوره منذ زمن بعيد – منذ عهد المتصرفية والقائم مقاميتين ومن بعدهما في فترة الانتداب.
وتتأكد لنا هذه الملاحظات بالوقائع التالية:
1 – إن المادة 95 من الدستور اللبناني لعام 1926 وقبل تجريدها من البنود المتعلقة بحقوق الدولة المنتدبة وواجباتها في سنة 1943 دعت إلى تمثيل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة. فقد قالت: “بصورة مؤقتة وعملاً بالمادة الأولى من صك الانتداب، والتماساً للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الوطن”.
2 – إن توزيع المقاعد في المجالس واللجان التمثيلية والإدارية قام على أساس طائفي منذ عهد المتصرفية.
3 – إن اعتبار منصب الرئاسة الأولى من حقوق الطائفية المارونية كان قد تقرر مبدئياً سنة 1926 إلا أن العمل بذلك أرجىء نظراً لموقف المفوض السامي الذي اعتبر شارل دباس خير من يولى الرئاسة الأولى آنئذ.
تحقق إسناد الرئاسة الأولى للطائفة المارونية في مطلع الثلاثينات وذلك عندما عين حبيب باشا السعد رئيساً للجمهورية. وتحقق إسناد رئاسة الوزارة للطائفة السنية في أواخر الثلاثينات عندما عين خير الدين الأحدب رئيساً للحكومة سنة 1937.
5 – لم يتحقق إسناد الرئاسة الثانية للطائفة الشيعية قبل حزيران سنة 1947 فقد تولاها قبل التاريخ المذكور نوباً من غير الطائفة الشيعة كحبيب أبو شهلا الذي تولاها ما بين 22 تشرين الأول 1946 و7 نيسان 1947.
6 – فيما عدا الرئاسات الثلاث لم يتبع توزيع مناصب الدولة ووظائفها على الطوائف السياسية قاعدة ثابتة.
وبكلمة موجزة، قام “الميثاق الوطني” على الدعوة إلى صهر المجتمع اللبناني لا إلى تمزيقه. كما قام على الإيمان بأن لبنان هو لبنان مواطنيه وبأن إرادة مواطنيه أياً كانت مذاهبهم هي أساس سياسته، أياً كانت هذه السياسات، وبالتالي قام على قاعدة سلوكية عملية وهي أن ما من سياسة يمكن أن يكتب لها النجاح في لبنان إذا لم يرتضيها غالبية مواطنيه.
فأساس “الميثاق الوطني” ومرتكزه الأولي هو اتفاق اللبنانيين على الانصهار في وطن واحد مستقل سيد نفسه وأمره.
ولعل أفصح ما يؤكد نزعة “الميثاق الوطني” العلمانية أننا لم نجد في خطب الشيخ بشارة خليل الخوري ومذكراته المتعلقة “بالميثاق الوطني” والشارحة له ما يشير إلى ضرورة تكريس امتيازات الطائفية السياسية أو العمل في ضوئها أو الحث على استمرارها. بل على عكس ذلك، إننا نلاحظ تركيزاً بائناً على ضرورة تدعيم وحدة الشعب اللبناني وصهره. ويكفي للدلالة على ذلك التوضيحات والخطب التي حدد فيها مضامين “الميثاق الوطني” وأبعاده ومنها قوله:
“وما الميثاق الوطني سوى اتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على انصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة: استقلال لبنان التام الناجز دون الالتجاء إلى حماية الغرب، ولا إلى وحدة أو اتحاد مع الشرق”.
ومنها قوله:
“هذا الميثاق… هو عهد بين جميع اللبنانيين على اختلاف طبقاتهم وميولهم: استقلال صحيح، وسيادة قومية، ومحافظة على دستور البلاد، لا انتقاص فيها ولا هوادة، ومودة خالصة، وتعاون وثيق بين الأقطار العربية ولبنان لمصلحة الجميع وعلى قدم المساواة، وبروح العدل والإنصاف”.
ومنها قوله:
“… وقد كان لنا ما نريد وبلغنا المنى… (فـ) لم يعد في لبنان سلبيون ولا إيجابيون، لا مسلمون ولا نصارى، بل أصبح اللبنانيون شخصاً واحداً، لبنانياً، قومياً، استقلالياً، عربياً…”.
وجدير بالذكر أن البيان الوزاري الأول لعهد الاستقلال الذي رسم في ضوء مبادىء “الميثاق الوطني” قد تضمن خططاً ومناهج للحفاظ على لبنان وطناً مستقلاً قائماً على اتفاق مواطنيه والتقاء إراداتهم. وتنطوي هذه الخطط والمناهج على مبادىء جوهرية وقواعد إصلاحية أساسية منها:
1 – تأليف قلوب جميع اللبنانيين على حب الوطن واعتبار المحافظة على الاستقلال مسؤولية كل مواطن لبناني، كل بحسب ما بيده. وفي ذلك يقول البيان: “ولا يستقيم لوطن كيان واستقلال ما لم ينبض له قلوب بنيه جميعاً، فالقلوب الوطنية هي خير سياج للوطن، وهي الزم لحفظه وصيانته من سلاح المادة… فرائدنا الأول في تنظيم الاستقلال سيكون إذن تأليف قلوب جميع اللبنانيين على حب وطنهم”.
“… إن الاستقلال والسيادة الوطنية وديعة ثمينة وضعت بين أيدينا، وإن كل فرد من أفراد الوطن اللبناني العزيز مسؤول عنها، كل بحسب ما بيده”.
2 – اعتبار مصلحة لبنان العليا الشاملة سياسة للحكم وإفساح المجال لكل لبناني للمساهمة في رسمها بالفكر والعمل. وفي ذلك يقول البيان أن الحكومة “… لن تتعرف إلى السياسة الضيقة التي ألهت اللبنانيين بأمور محلية محدودة وأورثت الاختلافات والأحقاد بينهم (وانها) تريد أن تكون للبنان سياسة عليا يرتفع إليها، ويساهم فيها كل لبناني فكراً وعملاً.. وهي ستعمل بجد وإخلاص على جمع الصفوف وإزالة الأحقاد.. حتى تنصرف القوى والجهود إلى خدمة مصلحة البلد العليا الشاملة”.
3 – اعتبار الطائفية والنظام الطائفي إهانة للحياة الوطنية في لبنان وعائقاً أمام تقدم الوطن وسبباً من أسباب ضعفه. وفي ذلك يقول البيان: “ومن أسس الإصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فإن هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة وسمعة لبنان من جهة أخرى فضلاً عن أنها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني. وقد شهدنا كيف أن الطائفية كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة كما كانت أداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهاناً يستفيد منه الأغيار. ونحن واثقون أنه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظل الاستقلال ونظام الحكم الشعبي يقبل بطمأنينة على إلغاء النظام الطائفي المضعف للوطن”.
“إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله…”.
4 – اعتبار مساوىء الإقليمية في منزلة مساوىء القاعدة الطائفية لأن استفحال الإقليمية يجعل من “الوطن الواحد أوطاناً متعددة”.
5 – ضمان تمثيل شعبي صحيح تمام الصحة.
6 – اعتبار علاقات لبنان “بالدول العربية الشقيقة في طليعة” الاهتمامات وذلك لاعتبارات عدة هي موقعه الجغرافي ولغة قومه وثقافته وتاريخه وظروفه الاقتصادية و”إقامة هذه العلاقات على أسس متينة تكفل احترام الدول العربية لاستقلال لبنان وسيادته التامة وسلامة حدوده الحاضرة، فلبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب”.
7 – الالتزام بسياسة ترفض أن تجعل لبنان ممراً لاستعمار الدول العربية. وفي ذلك يقول البيان: “إن إخواننا في الأقطار العربية لا يريدون للبنان إلا ما يريده أبناؤه الأباة الوطنيون، نحن لا نريده للاستعمار إليهم ممراً، فنحن وهم إذن نريده وطناً عزيزاً، مستقلاً، سيداً حراً”.
8 – الالتزام بسياسة تربوية تخرج “نشئاً واحداً موحد الهدف والشعور والوطنية”.
وأخيراً لا بد لنا من أن نتساءل هل فقد “الميثاق الوطني” مبرر وجوده؟
إن الإجابة عن هذا السؤال بعد الملاحظات التي أوردناها أعلاه لا تكون إلا بالتساؤل عما إذا فقدنا فعل إيماننا بلبنان الغد وطناً مستقلاً ديمقراطياً علمانياً روحانياً يقوم على إرادة مواطنيه. فإذا لم نفقد هذا الالتزام فإن لاستمرار “الميثاق الوطني” بحلته الصحيحة مبرره وأهمية متجددة دوماً في حياتنا.

العلمنة ليست إلحاداً


الدعوة إلى علمنة النظام السياسي دعوة قديمة قالت بها قوى سياسية متعددة ونادت بضرورة اعتمادها في أكثر من مناسبة. ومع ذلك بقيت هذه الدعوة دعوة عامة وشعاراً نظرياً تفتقر إلى الأسانيد العلمية وإلى الدراسات الموضوعية.
ولعل من إيجابيات الأحداث المأساوية التي عاشها لبنان أنها جددت هذه الدعوة وجعلت منها مطلباً عاماً للخلاص من الأسباب التي حالت دون تطور النظام السياسي اللبناني من وضعيته التقليدية إلى وضعية جديدة تضعه في مصاف النظم السياسية الحديثة. ويتراءى ذلك في تزايد الحديث عن العلمنة وأبعادها.
ومما يؤسف له أن الحديث عن العلمنة اتخذ منطلقات سلبية بدأت تشوّه جوهرها وأبعادها الحقيقية وبالتالي بدأ يضفي عليها صفات ليست منها وصفات بعيدة عنها.
فمفهوم العلمنة في جوهره مفهوم حيادي لا صيغة أو لون له. وجل ما فيه أنه مفهوم يدعو إلى تحييد النظم رفضاً للطغيان وقطعاً للتسلط وتأكيداً لحيادية هذه النظم في سائر الأمور المتعلقة بتدبير شؤون الأفراد والجماعات في المجتمع السياسي وبالتالي ضماناً لحرية الفرد وحقوقه.
ويقوم هذا المفهوم على الإيمان بأن الفرد هو وحدة المجتمع الرئيسية وبأن له حقوقاً وحريات أساسية تنبع من ذاته كإنسان. كما تقوم على الإيمان بأن تلوين المؤسسات والنظم وصبغها بألوان معينة هو عائق للفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لأن تلوينها يجعلها أداة للخدمات الشخصية أو الفئوية لا أداة في سبيل الخدمة العامة دونما تمييز أو تفريق. فبقدر ما تكون المؤسسات والنظم متحررة من أي لون، أي حيادية، بقدر ذلك تكون مؤسسات ونظماً للجميع – لكل فرد في المجتمع بدون استثناء. وبقدر التزامها بلون أو بصبغة معينة بقدر ذلك تكون عائقاً أمام الفرد في المجتمع وعائقاً يحول دون تحقيق ذاتيته بحرية ودونما إجحاف.
ومن هنا كانت العلمنة في جوهرها دعوة لتحرير النظم والمؤسسات من طغيان الإنسان وتسلطه بتركيزها على حكم القانون لا حكم الأشخاص أو الفئات. ومن هنا أيضاً كانت دعوتها لتحرير النظم والمؤسسات من أية صبغة شخصية بتركيزها على الدستورية ومن أية صبغة دينية أو فئوية بتركيزها على “فصل الدين عن الدولة” واعتبار علاقة الإنسان بخالقه علاقة مباشرة لا واسطة أو وسيط بينهما واعتبار الإنسان لا النظم والمؤسسات الأصل في كل إجراء واعتبار حقوقه وحرياته المعيار لكل تصرف.
وقد تجسدت الدعوة أولاً بتأكيد سيادة الدولة ومن ثم بإخضاع الدولة عبر الدستورية لحكم القانون. كما تجسدت بتأكيدها على التسامح الديني وعلى حقوق الفرد وحرياته الدينية والمدنية والسياسية. وتجسدت أيضاً بتبنيها للديمقراطية كمفهوم رافض لحكم الامتيازات وحكم الأوصياء وكمفهوم يقوم على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وعلى مبدأ الاقتراع العام المباشر ومبدأ السيادة الشعبية.
وفي ضوء كل ذلك يبدو لنا واضحاً أن مفهوم العلمنة مفهوم حيادي يدعو في جوهره لتحييد نظم الدولة ومؤسساتها بحيث تصبح هذه النظم والمؤسسات في خدمة سائر المواطنين دونما تمييز أو تفريق وبحيث يكون المواطن لسان حاله دونما أوصياء على حقوقه وحرياته الشخصية والمدنية والسياسية.
فالعلمنة ليست إلحاداً أو إيماناً، وبالتالي فهي لا تناهض المعتقدات الدينية أو تتعارض معها. وجل ما فيها أنها تحيد نظم الدولة وتحررها من الامتيازات تاركة للإنسان – المواطن حرية التصرف دونما إكراه. فالإنسان المواطن هو الأصل والنظم والمؤسسات هي في خدمته.
وهذا المفهوم ينسجم مع المفهوم الديمقراطي لوظيفة الدولة. فوظيفة الدولة بما في ذلك نظمها ومؤسساتها ليست أن تكره الناس على الإيمان بقيم أو مثل معينة بل إن وظيفتها أن تؤمن الأجواء المساعدة لأن تتمكن القيم والمثل من الانطلاق بحرية وبأمان. ووظيفة القانون في الدولة ليست جعل الإنسان صالحاً بل إن وظيفته أن يترك للإنسان الحرية في أن يكون صالحاً أو غير صالح.
وفي ضوء كل ذلك يمكننا القول أن لقضية العلمنة في لبنان وجهان: وجه سياسي ووجه قانوني. فالوجه السياسي يتعلق بالنظام السياسي اللبناني والدعوة إليها على هذا الصعيد تتركز على هذا النظام لا على الدولة أو على دستورها، وذلك لأن الدولة اللبنانية دولة علمانية ولأن دستورها دستور علماني. وأما نظمها فهي نظم فئوية. وبكلمة موجزة إن الدعوة إلى العلمنة على هذا الصعيد هي دعوة لتحييد نظم لبنان – أي تحرير النظم القائمة – من الاعتبارات الفئوية أكان ذلك على مستوى الرئاسات والوظائف أم على مستوى التمثيل النيابي – كل ذلك في سبيل تحقيق مرتكز دعوة العلمنة الرئيسي ألا وهو احترام الإنسان كإنسان وتأكيد حقوقه وحرياته دونما تفريق أو تمييز بمساواة تامة مع سائر المواطنين.
وأما الوجه الآخر، أي الوجه القانوني للعلمنة، فيتعلق أساساً بقوانين الأحوال الشخصية والدعوة على هذا الصعيد هي دعوة إلى إشراف الدولة على كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية، دون أن يمس ذلك حرية المواطن في اختيار التشريع أو الطقس الذي يود الالتزام به من حيث عقد الزواج والطلاق والإرث. وبكلمة أخرى، دعوة لإيجاد تشريعات مدنية اختيارية مع الإبقاء على التشريعات المذهبية القائمة. وبذلك تكون الدعوة دعوة منسجمة مع نفسها ومع مرتكزها الأساسي وهي إيجاد الأجواء المناسبة للفرد لتحقيق ذاتيته بحرية وعن قناعة دونما إكراه ودونما وصاية ودونما إحراج. فاختيار شخصين طقساً معيناً أو تشريعاً معيناً لتحقيق الرباط الزوجي يستتبعه التزامهما بموجبات هذا الطقس أو التشريع والعقد شريعة المتعاقدين. ففي حالات الخلاف أو الإرث يكون الرجوع إلى قوانين الطقس أو التشريع الذي تم في ضوئه الزواج.
وجدير بالذكر أن تحقيق العلمنة على هذا الصعيد يضمن انسجاماً أفضل ما بين الواقع والمرتجى. فالواقع مليء بالتناقضات. فالدولة تشرف على بعض المحاكم المذهبية ولا تشرف على بعضها الآخر. والدولة تعتبر بعض الموظفين الروحيين موظفين لديها ولا تعتبر غيرهم كذلك. والدولة لا تفسح في المجال للزواج المدني فيها إلا أنها تعترف بالزواج المدني عندما يتم خارج البلاد. والدولة تأخذ بالأحكام المذهبية لجهة الأحوال الشخصية وفي الوقت ذاته تعمل بموجبه وتقر قوانين تتعارض واحكام هذه المذاهب.
إن علمنة نظم الدولة على صعيد النظم السياسية وعلى صعيد الأحوال الشخصية هو طريق الخلاص للبنان وهو الطريق إلى لبنان الجديد حيث تصان حرية الإنسان وحقوقه وحيث لا ميزة لإنسان على الآخر إلا بسعيه دونما إكراه ودونما تمييز ودونما إحراج.

تحييد النظام

الحديث عن بناء لبنان جديد هو حديث الساعة. وهذا الحديث فرضت ضرورته الأزمة وأكدت لزومه الأحداث الدامية التي واجهت اللبنانيين بأهوالها ومآسيها.
 ويتنازع هذا الحديث تياران رئيسيان: تيار يقول بالإبقاء على أسس النظام السياسي القائم مع إدخال بعض التعديلات عليه وتيار آخر يقول بضرورة الخروج منه إلى نظام جديد يقوم على أسس جديدة ترتكز على قواعد المواطنية الصحيحة والولاء المباشر للوطن والدولة. وبكلمة أخرى تيار يقول بالإبقاء على نظام الطائفية السياسية مع بعض التعديلات وتيار ثان يقول بالعلمنة وبتحرير النظام السياسي القائم من سائر امتيازات الطائفية السياسية.
والجدير بالذكر أن التيار الأول هو تيار تقليدي يهدن الأوضاع ليفجرها في المستقبل تاركاً لبنان في عرضة دائمة لأزمات تنبع من اختلالات طبيعية ومحتملة في موازين قوى أصحاب الامتيازات الطائفية والمستفيدين من بقائها كما وأنه يحول دون تحديث نظم لبنان بصورة تتلاءم ومواصفات الدولة الديمقراطية الحديثة تلك المواصفات التي تقوم على وحدة الولاء للوطن ووحدة السلطة السياسية ووحدة السيادة في الدولة.
وأما التيار الثاني فهو تيار عصري يتلاءم مع قواعد الدولة الديمقراطية الحديثة ويتوافق مع مواصفاتها ومستلزماتها وذلك لأن منطلقاته تقوم على مفهوم وحدة الولاء للوطن وعلى اعتبار المصلحة الوطنية مقياس سياسة الدولة وبأنها أسمى المصالح لا تعلو فوقها مصلحة لا تعبر عن سيادة الشعب، أي غالبية المواطنين.
ولا يمكن للمتتبع للتطورات التي أدت إلى بروز الدولة الحديثة في الديمقراطيات الغربية إلا أن يخلص إلى قناعة مفادها أن الصراع بين التيارين المذكورين سيكون غالباً على الساحة اللبنانية وبأن الغلبة فيه ستكون للتيار الثاني.
فمجتمعات الديمقراطيات الغربية كانت قبل بروز الدولة الحديثة فيها وقبل “دمقرطتها” كالمجتمع اللبناني – مجتمعات تفتقر إلى السلطة الموحدة ومجتمعات تتنازعها الامتيازات ومجتمعات تتعدد فيها الولاءات وتعلو فيها الولاءات التي هي دون المصلحة الوطنية أهمية. إلا أن الإيمان بالإنسان المواطن والإيمان بكونه قيمة بحد ذاته والإيمان بأن له حقوقاً وحريات أساسية ترتبط بإنسانيته أكدت أن القاسم المجتمعي المشترك لتأكيد الاحترام له هو بعلمنة نظم الدولة، أي بتحييدها، واعتبارها نظماً محايدة هدفها الرئيسي الحفاظ على حقوق المواطن وحرياته وحماية هذه الحقوق والحريات من التعدي في ظل سيادة القانون لا سيادة الأشخاص أو الجماعات وفي ظل سلطة تعبر عن سيادة الشعب – الأغلبية – من خلال نظم تمثيلية نيابية سليمة.
هذا، ويقوم اعتراض أصحاب التيار الأول على أصحاب التيار الثاني على اعتبارات متعددة أهمها:
أولاً: استحالة العلمنة في لبنان وعلى الأقل في الظروف الحاضرة.
ثانياً: إن العلمنة تتعارض والمعتقدات الدينية.
والاعتراضان ليسا في محلهما. فبالنسبة للاعتراض الأول لا يمكننا التقرير باستحالة العلمنة طالما أننا لم نقدم عليها ولا يمكننا التقرير في ذلك أيضاً طالما أننا لم نستفت المواطنين ليبدو آراءهم ومواقفهم فيها. ثم إن القائلين باستحالة العلمنة هم في غالبيتهم المستفيدون من غيابها، أي المستفيدون من امتيازات نظام الطائفية السياسية. ولا غرابة إن قالوا باستحالتها لأن العلمنة تؤدي إلى اضمحلال نفوذهم وانحساره. فقلة منهم من يتمتع بقواعد شعبية تتجاوز حدود طائفة سياسية معينة لتشمل لبنانيين من سائر الطوائف.
وبالإضافة إلى ذلك إن الاعتراض المذكور يتعامى عن حقيقة جوهرية ألا وهي أن الدولة اللبنانية دولة علمانية بدستور علماني. فدستور لبنان لا يعلن لبنان دولة دينية كما وأنه لا يحتوي مادة تخص ديناً معيناً أو مذهباً معيناً برئاسة الدولة، أو رئاسة حكومتها أو مجلسها النيابي. ومواد الدستور لا تفرق بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات.
وفي ضوء ذلك أن مطلب العلمنة ينحصر في تحرير نظم الدولة من حكم الامتيازات الفئوية التي بدأت بالترسخ في لبنان منذ عهد القائمقاميتين. وبكلمة أخرى أن القضية ليست قضية علمنة الدولة ودستورها فهما علمانيان إنما القضية هي قضية تحرير مناصب الدولة ووظائفها وكذلك مجلسها التمثيلي من الاعتبارات الفئوية، وهي قضية حد من النظم التي تقيد حريات المواطن الشخصية. وبكلمة موجزة إنها قضية تحديث النظام السياسي في لبنان ودمقرطته بصورة تجعل ولاء المواطن للدولة والوطن ولاء مباشراً لا ولاء غير مباشر أو ولاء ثانوياً يمر عبر الطوائف السياسية. كما أنها قضية إقرار حقوق وحريات شخصية للمواطن مدنية المرتكز دون أن يتعارض ذلك مع حقوقه وحرياته الدينية.
ومما يؤسف له أنه بالرغم من مآسي الأحداث فقد ظلت بعض المقترحات التي طرحت لتسوية الأزمة مقترحات تنطلق من منطلقات طائفية لا من منطلقات وطنية ومن منطلقات فئوية لا من منطلقات ترتبط بالمواطن – الإنسان وبحرياته وحقوقه. وبذلك فهي تتجاهل كون الطائفية السياسية سبباً جوهرياً إن لم نقل السبب الرئيسي للأزمة في بعدها اللبناني. ومما يؤسف له أيضاً أن المقترحات المذكورة وبخاصة تلك التي تتعلق “ببدعة المناصفة” وبالإبقاء على التمثيل الفئوي في المجلس النيابي وبالإبقاء على طائفية بعض الوظائف والمناصب هي مقترحات لا تنسجم مع متطلبات المصلحة الوطنية اللبنانية ولا تتواقف مع شروط الدولة الديمقراطية الحديثة. وأقل ما يقال فيها أنها مقترحات تدعم نظام الطائفية السياسية المجزأ لسيادة الدولة والمضعف للسلطة السياسية والحادّ للمجالات المفتوحة أمام أصحاب الكفاءة من المواطنين والمرسخ لنظم الامتيازات والمتجاهل لتطلعات غالبية اللبنانيين إلى لبنان دولة المواطن والمواطنية ولبنان الواحد الموحد ولبنان السيد بشعبه وسلطاته والديمقراطي بمناهجه وقواعده والإنساني برؤاه وتحركاته.
وعدا ذلك، لا بد لكل مواطن من أن يتساءل عن مبررات القول باستحالة العلمنة ولا بد له من أن يتساءل عن الخطوات التي أقدمت عليها السلطة لتحقيق العلمنة أو على الأقل لتوعية الشعب إلى أهميتها إذا كانت مقتنعة فعلاً بضرورتها وبضرورة اعتمادها. هل المبررات التي يرتكز عليها القول باستحالة العلمنة مبررات تحول دون تحقيقها الآن أم في المستقبل أيضاً؟ هل هي مبررات جوهرية يستحيل التوفيق ما بينها وبين مطلب العلمنة في كل الظروف والأوقات، أم لا؟
وأما بالنسبة للاعتراض الثاني فهو ليس في محله أيضاً وذلك لأن العلمنة في نظام ديمقراطي وفي مجتمع يدين أبناؤه بمذاهب دينية متعددة لا يمكن أن تتعارض مع المعتقدات الدينية. بل على عكس ذلك إنها تفسح المجال أمام كل مواطن لأن يمارس دينه عن قناعة كما تفسح المجال أمامه لأن يتعرف على حقيقة معتقده الديني بعيداً عن الممارسات التي ما برحت تشوه الدين وتضفي عليه صوراً بعيدة عن مبادئه الجوهرية وتعاليمه السامية.
وحتى وإن تعارضت العلمنة مع المعتقدات الدينية فهي تؤدي بنظام ديمقراطي إلى وضع أفضل من الوضع القائم في لبنان ذلك لأن في تحريرها للنظام السياسي من الاعتبارات الطائفية والفئوية تحرير للمجتمع من هؤلاء الذين ما فتئوا يستغلون الدين والمشاعر الدينية لتمرير مصالحهم.
ثم إن العلمنة في نظام ديمقراطي لا تتعارض والحريات الدينية بل على نقيض ذلك إنها تساعد على صيانة هذه الحريات دونما إكراه ودونما تشويه وبصورة بعيدة عن العصبيات وحكم الانفعال والتهور مما يساعد على تعميم التعارف البناء والتعايش السليم بين أبناء الوطن الواحد.
وبالإضافة إلى ذلك إن العلمنة في النظام الديمقراطي تقوم على اعتبار المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات. وهذا مطلب منسجم مع مبدأ المساواة التي أقرته سائر الأديان السماوية. فالتعاليم السماوية قول بالمساواة والعلمنة في النظام الديمقراطي تقول أيضاً بالمساواة وترفض حكم الامتيازات. فما هي الحجة الدينية لحكم الامتيازات الفئوية الطائفية لبنان؟
إن رفض العلمنة على أساس أنها تتعارض مع المعتقدات الدينية هو رفض ليس في محله. وإذا كانت بالفعل تتعارض مع المعتقدات الدينية فلماذا القبول بوضع يجعل الناطقين باسم سائر المواطنين من المدنيين ومن طوائف لا تمثل طوائف سائر اللبنانيين؟ ولماذا القبول بنظام غير ثيوقراطي وبنظام لا يلتزم بدين معين وبمعتقد مذهبي معين؟ ولماذا القبول بأوضاع وقوانين وضعية لا تتلاءم والأحكم الدينية لبعض المذاهب الدينية؟ هل من حجة لهذا القبول سوى أن القاسم المجتمعي المشترك والسليم في لبنان لا يكون إلا من خلال نظم محيدة غير مصطبغة بصبغة دينية معينة ونظم تؤكد الاحترام لحرية المواطن الدينية ولحرية ممارسته لتعاليم دينه.
إن حلاً للأزمة اللبنانية في بعدها اللبناني دون اعتماد العلمنة ليس حلاً ذلك لأن حلاً دون العلمنة هو حل بتجاهل أسبابها وبالتالي فهو حل يزرع أسباب أزمة ثانية، وبكلمة أخرى إنه حل وقتي يساعد على تهدين الأزمة ليفجرها من جديد في المستقبل. ثم إنه حل لا يستفيد منه عبر التاريخ ومن تجارب دول ومجتمعات أخرى تشابهت أوضاعها وأوضاع لبنان.إن حلاً على أسس تقليدية ومن منطلقات فئوية أو طائفية سيترك لبنان عرضة للانفجار عند مواجهة أية مشكلة وهو لا شك خطوة إلى الوراء – خطوة لا تساير تطلعات اللبنانيين ولا توحد بينهم وخطوة تزيد الجسم اللبناني تمزقاً – خطوة ستضعف علمانية الدولة وعلمانية دستورها وقد تصبغهما بصبغة طائفية.
وأخيراً لا يمكن لأية دولة ديمقراطية أن تفرض سلطتها إذا لم يكن غالبية مواطنيها مقتنعين بضرورة ذلك. وضرورات التعايش بين اللبنانيين تقتضي بأن تكون نظم الدولة نظماً محيدة، أي نظماً غير مصبوغة بصبغة معينة ذلك لأن النظم المحيدة هي النظم الوحيدة التي يمكن لغالبية المواطنين القبول بها والعيش في ظلها وهي بطبيعتها ما يشكل قاسماً مشتركاً لهم. وتحييد النظم لا يكون إلا بعلمنتها وعلمنتها في ظل الديمقراطية لا يتنافى مع الحريات الدينية للمواطنين.(انتهى)

______________________________________________________

Print Friendly

عن admin

شاهد أيضاً

نشرة الإثنين 16 كانون الأول 2013 العدد2451

ميقاتي: لا يسمح لأي كان بالعبث بالأمن والنيل من دور المؤسسة العسكرية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *